أدب وفن الحصار في صندوق مغلق رمسيس لبيب


فاضت أنهار الدفء بصدري فأعدت قراءة القصيدة، رأيت الهواء الآسن في قاع الصمت يرتجف، يُجن، يتحول إلى ريح مكتسبة، عاصفة، والأمواج الوادعة تصطخب وتتحدّى الشواطئ، وسيوف البرق تضوي وتطعن الظلمة، أطلقت قلبي في البروق والرعود، رقصت مع الرجال والنساء في المطر، وأسرعت عارياً إلى الشمس في مهرجان الشفق، وانتبهت على السقف والجدران الأربعة فخلعت منامتي القديمة واندفعت إلى الطريق.
وعند باب البيت عانقتني الأنسام الحانية فابتسمت لها، ملأت بها صدري، رنوت إلى السماء فألفيتها بلا نهاية، ونجوم لا حصر لها تخفق وتلمع، والقمر يضحك وبريق ضوئه الناعم على البوت والطريق، وددت أن أخلع ملابسي وأستحم بضوء القمر، أن أمد يديّ لأداعب النجوم ، وانسابت على شفتي أغنية خضراء حفظتها في أيام صباي، ولاح وجه حبيبتي أسمر، نقياً، ضاحكاً ففاض قلبي بالحنين، نويت أن أذهب إليها وأعتذر عن السخافات التي ارتكبناها معاً، وأن أدعوها إلى الخلاء الرحب خارج المدينة.
وقفزت إلى الطريق، استشعرت شيئاً ينتصب إلى جوار البيت فتوقّفت، حدّقت فيه، واجهني رجل فارع القامة، ممتلئ بوجه فحمي وصلعة نحاسيّة لامعة، بدا سواد عينيه صُلباً منطفئاً في بياض ثلجي متّسع، وبدت شفتاه كبيرتين داميتين، وتوهّج في رقبته الغليظة السوداء سلخ كبير دامٍ، ابتسمت له:
⁃ سعدت مساء أخب
⁃ فبدا وجهه مغلقاً
⁃ الليلة يحلو الحب،
وحدّق إليّ بثلج عينيه فلوحت له ومضيت في طريقي.
وضحكت المصابيح على جانبي الشارع ورقصت الأنسام في فرحٍ فانطلقت رفيق الخطر أحضن خفق قلبي، وأعانق بعينيّ النجوم .
لمحت شابين مقبلين بخطوٍ لاهث يخافتان صوتيهما وعيونهما مشدودة إلى ظلّين قائمين ، لوحت لهما فلم يلتفتا إليّ، هممت أن أقترب منهما وأسير إلى النجوم البعيدة فأسرعا بخطوهما المحموم.
وأقبل طفل صغير يتقافز ويحجل ويبتسم لنفسه، ابتسمت له فتوقّف وتطلّع إليّ بعينين نقيّتين وبسمة مغتسلة ،خطر لي أنّ بسمتي كانت كبسمته وأنّ عينيّ
كانتا في صفاء عينيه وأنا صبي، تمنيت أن يكون لي من حبيبتي إبن مثله، داعبت شعره الحريري بأناملي فتفتّحت
بسمته، تذكّرت أنّ في جيب سترتي صورة لقطة ملونة في فراش دافئ فأخرجتها وقدّمتها إليه، ضحكت عيناه ورقصت غمارتاه ، وأشار إلى القطة بإصبعه الصغير وأعرق بالضحك، ملت عليه أقبله فأطلق صرخة مفزعة وجحظت عيناه في رعب، وسرعان ما أفلت الصورة وانفلت هارباً، واجهني الوجه الفحمي والعينان الثلجيتان والرقبة المسلوخة، نظرت إلى الرجل في عتاب وأشرت إلى الصبي الهارب:
⁃ الصبي خاف منك، فحدّق بياض عينيه فيّ، دفعته بيدي ضاحكاً
⁃ ألا تضحك ؟ ألا تبتسم؟. وظلّ كتلة سوداء خرساء. قلت لا شك أنّه أصم أو أبله وتركته ومضيت في الطريق. تناهى إليّ دبيب قدميه، رأيته يتعقبني عن قرب ،انعطفت في طريق آخر كي أنطلق وحدي،سمعت دبيب قدميه فاستدرت إليه، وجدتني أقف على ظله الكبير الداكن، اقتربت منه وسألته باسماً:
⁃ من انت؟.
فحدّق إليّ في سكون
⁃ لماذا تعقبني؟. واتّسع بياض عينيه
⁃ أتريد شيئاً منَي؟.
وظلّ وجهه الأسود أخرس.
استفزني صمته وتحديقه في وجهي، هممت أن أدفعه بيدي لعلّه يتحرّك أو يبتعد لكنني تمالكت نفسي، حاولت أن أتذكر إذا ما كنت ما رأيته من قبل، ورفت سحابة رمادية في سماء أنهاري فانتزعت نفسي من ظلّه وانفلت في الطريق إلى الحبيبة.
ولاح البيت الأبيض الصغير الأنيق في نهاية الشارع،لمحت حبيبتي في نافذتها المضاءة فرقصت خفقات قلبي، وأسرعت خطاي، فرحت عينا حبيبتي وتفتحت شفتاها عن نسمة نديّة، ولم أجد أحداً في الطريق فاقتربت من النافذة:
⁃ سعدت مساء يا حبيبتي. بدت حلوة ورقيقة، وددت أن أضمها في القلب وأنطلق بها إلى الفضاء الرحب خارج المدينة، وهمست لها:
⁃ أنا آسف
⁃ وأنا آسفة يا حبيبي. واختلجت بسمتها وهمست في حياء:
⁃ أدخل ، لا أحد في البيت. ودخلت الحجرة الزرقاء المضيئة،عانقت كفيها بكفي وسبحت فيبخل. عينيها، وتخلفت في موجات الدفء كلمات لم تُنطق أبداً، وأجلستها إلى جانبي، وسدت رأسي صدرها، وفجأة أيقظتني صرخة مرعوبة وأجفلت محبوبتي مبتعدة.التفت إلى النافذة فواجهني الوجه الأسود ينظرإليّ في برود صفيق، اندفعت إليه وصفعت وجهه بمصراعي النافذة وأحكمت الرتاج، وعدت إلى حبيبتي فألفيتها مصلوبة على الجدار ترتجف وعيناها جاحظتان بالرعب فابتسمت لها وقربتها إليّ فنظرت في خوف إلى النافذة ولاذت بصدري، وهمست بصوت مرتعش خافت:
⁃ رأيته بالأمس، كنت في الطريق إلى بيتك، وتعقّبني من شارعٍ إلى شارع فخفت منه وعدت إلى البيت. ضحكت من عينيها القلقتين: تعقبني وا الآمر. يبدو أنّه أبله. لا تهتمي به.
واجلستها إلى جواري، ومددت يدي إلى مذياع صغير فانسابت موسيقى راقصة ، أخذت أداعبها وأحدثها عن الأشعار التي قرأتها وأنهار الدفء وطلبت منها أن تنطلق إلى خارج المدينة فأشاحت بوجهها وقالت في جفاء: لا أريد. لماذا تأخرت في الاعتذار إليّ؟
قلت مداعباً، لننسَ الأشياء الصغيرة
أنت لا تراعي مشاعري
لم يكن صوتها عذباً ورقيقاً كما كان دوماً ؟ بدت ملامحها متوترة،تببَن لي أنَ أنفها الكبير لا يلائم وجهها، تساءلت كبف لم اكتشف ذلك من قبل
⁃ دائماً تهرب في الصمت حين تُحاصر. نظرت في عينيها، بحثت عن البحار التي سافرت فيها كثيراً
⁃ أنا لا أهرب في الصمت
⁃ أنت لا تحبني
⁃ أنت أحب كائن إلى نفسي. ومددت يدي إليها فابتعدت ، فتكاثف الضباب في سماء أنهاري. كفّت الأنهار عن الفيضان، وقالت في حديث: أوشك والدي أن يعود. فاجأتني مهانة الطرد، تأملتها، لم تكن حبيبتي التي حلمت بها طويلاً، همّت كلمات جارحة أن تفلت من شفتي فتمالكت نفسي،وغادرت البيت دون كلمة

Post Tags:

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*
*